يرى دوف زاكهايم، كبير مستشاري مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية ونائب رئيس مجلس إدارة معهد أبحاث السياسة الخارجية، أن اتفاق مكة الثلاثي للدفاع المشترك بين تركيا والسعودية وباكستان أثار تكهنات واسعة بشأن الهدف النهائي منه، في ظل التحولات المتسارعة في موازين القوى بالشرق الأوسط.
ويشير ذا هيل إلى أن الفكرة ليست جديدة تمامًا؛ إذ ترتبط باكستان والسعودية بعلاقات وثيقة منذ عقود، ووقعتا اتفاقًا للتعاون الدفاعي العام الماضي. كما سبق أن جمعت تركيا وباكستان شراكة ضمن منظمة المعاهدة المركزية، وهي تحالف شبيه بحلف شمال الأطلسي خلال الحرب الباردة، وضم إيران والعراق أيضًا قبل أن ينهار في مارس 1979، بعد شهر واحد من سقوط الشاه.
تاريخ معقد للعلاقات بين تركيا والسعودية
تحمل العلاقات التركية السعودية تاريخًا طويلًا ومعقدًا. ففي أوائل القرن العشرين، خاض العثمانيون معارك ضد عبد العزيز، زعيم آل سعود، وأجبروه على الفرار إلى الكويت. وخلال الحرب العالمية الأولى، نقل الجنرال التركي فخري باشا مقتنيات للنبي محمد، من بينها سيفه وأقواسه وخاتمه وسنه، من مكة إلى إسطنبول، حيث تعرض حاليًا في قصر توبكابي.
واعترفت تركيا بالدولة السعودية للمرة الأولى عام 1927، لكن العلاقات شهدت توترًا بالغًا خلال السنوات الماضية. ففي عام 2014، عرقلت السعودية مساعي تركيا للحصول على مقعد غير دائم في مجلس الأمن الدولي.
وعندما فرضت السعودية والبحرين ومصر والإمارات حصارًا على قطر بين عامي 2017 و2021، وقفت أنقرة إلى جانب الدوحة، التي كانت، مثل تركيا، تدعم جماعة الإخوان المسلمين.
واشتبكت السعودية وتركيا أيضًا على خلفية مقتل الصحفي جمال خاشقجي داخل القنصلية السعودية في إسطنبول. لكن الدولتين تدعمان حاليًا بصورة مشتركة الحكومات المعترف بها دوليًا في ليبيا والسودان والصومال، على خلاف الإمارات التي تساند أنظمة بديلة في الدول الثلاث.
ويحمل انضمام تركيا إلى اتفاق دفاعي مع السعودية وباكستان، وهما دولتان ذات غالبية سنية، تداعيات مهمة لا تقتصر على إيران ذات الغالبية الشيعية، بل تمتد أيضًا إلى إسرائيل والهند.
إيران وإسرائيل والهند أمام معادلة أمنية جديدة
تبدو إيران، ظاهريًا، الهدف الأبرز للاتفاق الجديد، رغم نفي تركيا أن يكون التحالف موجهًا ضدها. وعلى الرغم من حفاظ تركيا وإيران على علاقات طبيعية، وإن لم تكن ودية دائمًا، منذ توقيع البلدين معاهدة حدودية عام 1639، فإن السعودية وإيران تخوضان منذ فترة طويلة تنافسًا على النفوذ والسيطرة في الخليج العربي.
وشنت إيران هجمات متكررة على مواقع سعودية خلال حربها مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
أما إسلام آباد، فعلى الرغم من استقرار علاقاتها نسبيًا مع طهران، فإن خلافات خطيرة لا تزال قائمة بين البلدين. ففي يناير 2024، تبادل الطرفان الضربات، بعدما شنت إيران الهجوم الأول ردًا على مسلحين من البلوش ينشطون انطلاقًا من غرب باكستان. وخلفت الأزمة حالة من الشك في إسلام آباد قد لا تكون اختفت حتى الآن.
وتملك إسرائيل أيضًا أسبابًا للقلق. فقد تدهورت علاقاتها مع تركيا، التي كانت حتى وقت قريب شريكًا تجاريًا وعسكريًا رئيسيًا، أولًا بعد فرض إسرائيل حصارًا على غزة، ثم بصورة أكبر عقب اندلاع حربها مع حركة حماس، التي تحظى منذ فترة طويلة بدعم تركي.
أما السعودية، فعلى الرغم من تعاونها السري مع إسرائيل، خصوصًا في المجال الاستخباراتي، فإنها لم تقم علاقات رسمية معها حتى الآن. ومن غير المرجح أن تفعل ذلك قبل استعداد القدس للتعايش مع دولة فلسطينية.
وتُعد باكستان الأكثر عداءً لإسرائيل بين الدول الثلاث الموقعة على الاتفاق الدفاعي الجديد، إذ تواصل إسلام آباد رفض الاعتراف بإسرائيل. وبحكم امتلاكها أسلحة نووية، شكلت باكستان منذ فترة طويلة تهديدًا جديًا لأمن إسرائيل.
وخلال حرب الأيام الستة عام 1967، قاد طيارون باكستانيون طائرات عربية وخاضوا اشتباكات جوية مع القوات الإسرائيلية. وربما لأسباب تتعلق بالسياسة الداخلية، لم تسلط القدس الضوء على هذا التهديد بالقدر نفسه الذي سلطته على البرنامج النووي الإيراني.
وقد يعني الاتفاق الجديد أن أي مواجهة تندلع مع أحد الشركاء الثلاثة قد تستدعي دعمًا عسكريًا من الشريكين الآخرين. فإذا اندلع، على سبيل المثال، تبادل لإطلاق النار بين القوات التركية والإسرائيلية في سوريا، حيث تسيطر الدولتان على أجزاء من الأراضي السورية، فقد يدفع اتفاق الدفاع الجديد السعودية وباكستان إلى دخول الصراع.
وبالمثل، ستنظر الهند بقلق إلى احتمال تدخل القوات التركية والسعودية إذا تجددت الأعمال العدائية بينها وبين باكستان.
رسالة نووية إلى واشنطن
لا يمثل الاتفاق مجرد تحوط في مواجهة تراجع الوجود الأمريكي في المنطقة، بل يحمل أيضًا رسالة تحذير إلى واشنطن. فإذا خفضت الولايات المتحدة قواتها في الشرق الأوسط بصورة كبيرة، ونجحت إيران في إنتاج سلاح نووي، فلن تدخر إسلام آباد جهدًا لمساعدة شركائها الجدد على تطوير ترساناتهم النووية الخاصة.
وإذا تراجعت السعودية عن معارضتها الحالية لانضمام مصر إلى الاتفاق، فقد تقدم الدول الثلاث للقاهرة أيضًا المساعدة في تطوير قنبلة نووية. وإذا تحققت هذه التطورات، فقد تقدم الإمارات بدورها على إلغاء اتفاقها النووي مع واشنطن والسعي إلى تطوير سلاح نووي خاص بها.
وقد يؤدي ذلك إلى سباق تسلح نووي محتمل في الشرق الأوسط المضطرب، وهو ما ينبغي أن يشكل مصدر قلق كبير لواشنطن.
ويرى زاكهايم أن الولايات المتحدة، إذا أرادت تجنب مواجهة منطقة مدججة بالأسلحة النووية، فعليها ألا تحصر اهتمامها في الصراع الحالي مع إيران، بل ينبغي أن تلتزم بالحفاظ على وجود أمريكي موثوق في الشرق الأوسط لسنوات طويلة.
https://thehill-com.cdn.ampproject.org/v/s/thehill.com/opinion/national-security/6027593-mecca-joint-defense-agreement/amp/?amp_gsa=1&_js_v=a9&usqp=mq331AQIUAKwASCAAgM%3D#amp_tf=From%20%251%24s&aoh=17868026569617&referrer=https%3A%2F%2Fwww.google.com&share=https%3A%2F%2Fthehill.com%2Fopinion%2Fnational-security%2F6027593-mecca-joint-defense-agreement%2F

